يعقوب بن يوسف الكندي
8
رسائل الكندى الفلسفية
الباب ما أثر عن أرسطو من قوله بوجوب الشكر لآباء من جاءوا بشئ من الحق ، فضلا عن وجوبه لأبنائهم * * * يأتي بعد هذا تقدير لقيمة الحق وشرفه وحض على وجوب استحسانه واقتنائه ، أيا كان مصدره ، وهذه خاصة جميلة تنجلى ، عند الكندي وتعبر عن الحكمة العالية التي تتضمنها عبارات مشهورة فاضت عن الروح العربية الإسلامية مثل : « الحكمة ضالة المؤمن » ، « خذ الحكمة ولا يضرك من أي إناء خرجت » ، « لا تعرف الحق بالرجال ، اعرف الحق تعرف أهله » ، والتي تبين في الوقت نفسه مقدار رغبة العرب ، أول عهدهم بالأفكار الأجنبية عنهم ، في الانتفاع بهذه الأفكار وضمها إلى تراثهم الفكري ، أيا كان نوعها أو مصدرها ، ما دامت تنسم بسمة الحق ، لأنه لا شئ أولى بطالب الحق من الحق ، كما يقول الكندي نفسه . * * * ثم يمضى المؤلف في بيان طريقته في التأليف : هي تقوم على ذكر آراء القدماء الكاملة الصحيحة ، على أحسن وجه وأيسره ، ثم إكمال ما لم يقولوه وافيا ، وذلك بما يؤدى إليه الجهد والبحث ، لكن دون توسع في حل العقد الملتبسة في المسائل العويصة . وهو ينبّه على السبب الذي يدعوه إلى ذلك : هو يخشى أن يسئ تأويل كلامه بعض المتسمين بالعلم في عصره المتوجين بتيجان الحق ، وهم عن العلم غرباء وفي ميدان الحق أدعياء . وهنا نجد ما يدل على صعوبة موقف الكندي وعلى وجود خصوم الفلسفة في ذلك العصر الذي عاش فيه ، وخصوصا نجد وصفا لطائفة الذين يطلبون الدنيا وحظوظ النفس التي تحجب عن البصيرة نور